ابن الذهبي

890

كتاب الماء

وكلّ رطوبة إذا تصعَّدت فلا بدَّ أن يكون معها أرضيّة تتصعّد أيضاً ، وهي من موادّ مختلفة ، لذلك يحدُث عنها أنواع مختلفة ، ولمّا كانت تتكاثف على موادّ مختلفة في اللّيل ، فانّها تكتسب من كلّ مادّة طبيعتها أو جزءا من طبيعتها ، فينقسم ما تكاثف منها إلى ما يُشبه العَسل الذي يصنعه النَّحل ، وما لم يشبهه تحدُث عنه بقية الطُّلول . وقيل : انّ النَّحل إذا اسْتافَ الزَّهر وهضم ما اسْتافَه ، قسَّمه إلى ثلاثة أقسام ، فقِسْمٌ يُخرجه بُخارا ، وقسمٌ يخرجه مِن فِيْهِ عسَلا ، وقسم يغتذى به . وأمّا الشَّمْع فهو شئ يسقُط مع العَسل مختلِطا به ، وأجودُه الصّادق الحلاوة ، والطّيّب الرّائحة ، المائل إلى الحَرافة وإلى الحُمرة ، والمتين الذي ليس بالرّقيق اللّزِج الذي لا ينقطع . وأجودُه الرّبيعى ثمّ الصَّيفىّ ، والشِّتوىّ ردئ . وعَسَل النَّحل حارّ يابس في الثّانية . وعسل الطَّبَرْزَد والقَصَب حارّ في الأُولى ، ليس بِيابس . ويجوز أنْ يكون رَطْباً في الأولى . وقوّته جالِيَة مفتِّحة لأفواه العُروق ، جالِية للرُّطوبات ، جاذِبة لها من قَعْر البَدن ، مانعة للعُفونة والفَساد من اللّحم . والتَّلَطُّخ به يمنع القُمَّل والصِّئبان ويقتلهما . ومع القُسْط لُطوخا للكَلَف . ومع المِلح لآثار الضَّربة . ويُنَقِّى القُروح الوَسخة الغائرة . والمطبوخ منه حتّى لغلظ يلزق الجراحات الطّريّة . ومع الشِّبت لُطوخا يُبرىء القُوباء 40 . ومع الملح الأندرانىّ قُطورا فاتِرا في الأذن ينقيِّها ويحفظها ويقوِّى السَّمع . وشَمُّ الحرِّيف السُّمِّىّ منه يُذهب العقل ، فكيف أكله ! والتَّكحُّل بالجيّد يجلو ظُلْمَة البَصَر . والتَّغَرْغُر به يُبرىء الخوانيق . وماؤه يُقوِّى